عبد الحليم أبو ربيع للمحاماةمكتب محاماة واستشارات قانونية

توعية قانونية

القصد الاحتمالي في الجرائم السيبرانية: كيف يُستدل على نية الفاعل؟

شرح موجز لمفهوم القصد الاحتمالي وفق المادة 64 من قانون العقوبات الأردني، وصعوبة التمييز بينه وبين الخطأ عند تقييم الأدلة الرقمية.

المحامي عبد الحليم أبو ربيع

ما المقصود بالقصد الاحتمالي؟

القصد الاحتمالي صورة من صور القصد الجرمي، وتعرض المادة (64) من قانون العقوبات الأردني الفكرة عندما تتجاوز النتيجة الجرمية قصد الفاعل، لكنه كان قد توقع إمكان حصولها وقبل بالمخاطرة، لذلك لا يكفي أن تكون النتيجة ممكنة أو أن الفاعل كان يستطيع توقعها؛ بل يجب بحث ما إذا كان قد أدرك احتمالها ومضى في السلوك متقبلًا الخطر.

ويختلف ذلك عن القصد المباشر، حيث تتجه إرادة الفاعل إلى النتيجة ذاتها، كما يختلف عن الخطأ غير العمدي الذي قد يتوقع فيه الشخص خطرًا لكنه لا يقبل وقوع النتيجة، أو لا يتوقعها مع أن واجب الحيطة كان يقتضي ذلك، والتكييف النهائي يتوقف على النص المنطبق ووقائع كل قضية.

لماذا يثار هذا المفهوم في الجرائم السيبرانية؟

قد ينفذ السلوك الرقمي عن بُعد، وتتعدد حلقاته وآثاره، ولا تظهر نية صاحبه مباشرة كما قد تظهر في قول أو فعل مادي، وقد تكون النتيجة الضارة غير مقصودة بوصفها الهدف الأول، فينشأ السؤال: هل أدرك الفاعل احتمالها وقبل بالمخاطرة بها، أم كانت نتيجة غير متوقعة أو لم يقبل بها؟

قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 يحدد جرائم وأفعالًا رقمية لها عناصرها القانونية الخاصة، ولا يعني وقوع ضرر عبر الإنترنت، وحده، ثبوت القصد الاحتمالي أو انطباق وصف جرمي بعينه؛ يجب أولًا تحديد النص القانوني والسلوك والنتيجة والعناصر التي يشترطها ذلك النص.

ما دور الأدلة الرقمية في تقدير القصد؟

قد تساعد سجلات الأنظمة، وتوقيتات الدخول، والرسائل، وتعليمات التشغيل، وتسلسل الأفعال، والتنبيهات التي وصلت إلى المستخدم على فهم ما كان يعلمه وما فعله بعد ذلك، لكنها قرائن تحتاج إلى فحص مصدرها وسلامتها وسياقها وربطها بالشخص المعني، ولا تثبت النية وحدها لمجرد وجودها في جهاز أو حساب.

كما أن عنوان الاتصال أو سجل الدخول لا يحدد وحده من استخدم الجهاز، ولا يثبت بمفرده علمًا بنتيجة معينة أو قبولًا بها، وتُقرأ الأدلة التقنية ضمن مجموع الوقائع، مع مراعاة احتمال الاستخدام المشترك، أو الخطأ التقني، أو التفسير البديل، وحق الأطراف في مناقشة الدليل.

كيف يُفرّق بين القصد الاحتمالي والخطأ؟

يبدأ التقييم بتحديد الفعل والنتيجة التي يحمي القانون منها، ثم بحث ما إذا كانت النتيجة متوقعة بصورة جدية في ظروف الواقعة، وما إذا كان الفاعل قد أدرك هذا الاحتمال واستمر رغم ذلك، أما الخبرة التقنية أو خطورة الفعل فقد تكون ذات صلة بالسياق، لكنها لا تكفي منفردة لإثبات القبول بالمخاطرة.

ويجب التمييز بين توقع النتيجة وقبولها: فقد يتوقع شخص عطلًا أو أثرًا جانبيًا لكنه يتخذ خطوات معقولة لتفاديه، بينما قد تدعم مواصلة السلوك بعد تحذير واضح أو تكرار الفعل رغم ظهور الأضرار استنتاجًا مختلفًا، وتظل هذه أمثلة على قرائن محتملة وليست قواعد آلية للحكم.

خلاصة عملية

جوهر القصد الاحتمالي هو اجتماع إدراك احتمال النتيجة مع قبول المخاطرة، لا مجرد حصول الضرر أو إمكان توقعه نظريًا، وفي الجرائم السيبرانية، قد تسهم القرائن الرقمية في إعادة بناء هذا المسار الذهني، بشرط التحقق من موثوقيتها وربطها بوقائع القضية وعدم تحويل المؤشرات التقنية إلى افتراضات قاطعة.

تتناول هذه المقالة الفكرة العامة ولا تحسم وصفًا جزائيًا لواقعة معينة، عند وجود شكوى أو تحقيق، ينبغي حفظ الأجهزة والرسائل والسجلات كما هي، وعدم العبث بها، ومراجعة محامٍ لتقييم النص القانوني والأدلة والإجراءات.

القصد الاحتمالي في الجرائم السيبرانية لا يُفترض من وقوع النتيجة ولا من استخدام التقنية وحده؛ بل يتطلب تقييمًا قانونيًا للأدلة والسياق، مع التمييز بين العلم بالخطر وقبول المخاطرة.

مقالات ذات صلة

هذا المقال للتوعية القانونية العامة ولا يُعد بديلاً عن استشارة قانونية تراعي ظروف كل حالة.

المراجع القانونية